رياضة
مفارقة كأس العالم في أميركا: النسخة الأكثر تعددا للجنسيات في التاريخ
تكشف كأس العالم 2026 وجهاً جديداً لكرة القدم الدولية، إذ تسهم المواهب متعددة الجنسيات وأبناء الجاليات في تعزيز تنافسية المنتخبات الأقل قوة، ما يوسع دائرة المنافسة ويخلق لحظات وطنية ملهمة تعكس تأثير العولمة على اللعبة.

ريبون نيوز – اندبندت عربية
ربما كانت تلك الطريقة المثالية لاختتام الجولة الافتتاحية من مباريات كأس العالم. فقد كانت البرتغال متقدمة على الكونغو الديمقراطية، وتعد المرشح الأوفر حظاً للفوز، بينما كان كريستيانو رونالدو يكافح من أجل تسجيل هدف يضعه إلى جانب بقية النجوم الكبار، لكن يوان ويسا اقتنص هدف التعادل بطريقة حاسمة ومؤثرة.
وفي الاحتفالات الصاخبة التي أعقبت ذلك، لم يكن الأمر مجرد فريق يتوحد، بل كان بلداً بأكمله يعيش لحظة وطنية خاصة، فقد كان هذا أول هدف لجمهورية الكونغو الديمقراطية في كأس العالم.
وشهدت البطولة حتى الآن لحظات مشابهة عدة، من هدف ليفانو كومينينسيا لكوراساو في مرمى ألمانيا، إلى هدف أيمن حسين للعراق أمام النرويج، وحتى نجاح كاب فيردي في انتزاع تعادل سلبي مع إسبانيا. وقد شكلت هذه المشاهد سمة بارزة لكأس عالم تنافسي وممتع حتى الآن، قبل الوصول في نهاية المطاف إلى المباريات الكبرى التي تحسم النهائي واللقب.
وهناك أيضاً نقطة أكثر جدية وسط كل هذه النشوة. فهل يمكن لأي لحظة في أي مجال آخر أن تنتج هذا القدر من الوحدة داخل بلد ما، وأن تولد هذا الاندفاع الجماعي؟
وصفت هذه الظاهرة بأنها “قومية حميدة”، ويمكن إدراك المقصود بها على الفور. لكن بالنسبة إلى بعض اللاعبين وأفراد الأجهزة الفنية، فإن الأمر يحمل معنى أعمق بكثير من مجرد التنفيس العاطفي. فقد عملوا على ذلك.
دور أبناء الجاليات في تغيير المنتخبات الوطنية
وقبل وقت طويل من انطلاق هذه البطولة، وتحديداً خلال قرعة دور المجموعات في ديسمبر (كانون الأول) 2025 في واشنطن، دار حديث بين بعض المدربين خلال ورش العمل الخاصة بهم، واكتشفوا أنهم يواجهون تحدياً مشتركاً، فقد لاحظوا وجود انقسامات شبه لا واعية داخل غرف الملابس بين اللاعبين المولودين في بلدانهم وأبناء الجاليات المهاجرة.
وكان مدرب العراق غراهام أرنولد صريحاً حين تحدث عن جلوس هذه المجموعات في السابق على طاولات منفصلة، ولذلك أصر على اعتماد طاولة واحدة كبيرة لمواجهة هذا الأمر.
ومجرد الوجود في كأس العالم هذه يظهر الفائدة التي تحققت. فالعراق واحد من عدة منتخبات يعتمد عمودها الفقري على لاعبين ولدوا خارج البلاد، وكان أبرز الأمثلة منتخب المغرب المميز الذي انتهى به الأمر إلى إشراك تشكيلة كاملة من أبناء الجاليات في الخارج. أما ويسا فقد ولد هو الآخر خارج جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحديداً في فرنسا، شأنه شأن العديد من زملائه.
وفي المقابل تضم كوراساو العدد الأكبر، إذ ولد 25 لاعباً من أصل 26 في قائمتها خارج البلاد.
ويشكل هؤلاء جزءاً من إجمالي 292 لاعباً من أصل 1248 مشاركاً في البطولة – أي ما يقارب الربع – ولدوا خارج الدول التي يمثلونها. وهذا الرقم هو الأعلى على الإطلاق سواء من حيث النسبة أو العدد المطلق، خصوصاً أن هذه النسخة من كأس العالم تضم 48 منتخباً.
العولمة وكرة القدم متعددة الجنسيات
وبينما تمتلك كل دولة بطبيعة الحال علاقتها الخاصة بجالياتها في الخارج، فإن الصورة الجماعية لهذه الحالات تقول شيئاً أكبر عن هذه البطولة أيضاً؛ عن كرة القدم في عالم يزداد عولمة؛ وعن اللعبة في عصر متعدد الجنسيات، إذ بات عدد متزايد من الناس يحمل أكثر من جنسية.
ومن المفارقات اللافتة أن الإدارة الأميركية الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترمب تعد واحدة من بين إدارات عدة حول العالم تسعى بشكل نشط إلى معاكسة هذا الاتجاه. وقد عاشت العديد من هذه المنتخبات هذه التجربة بشكل مباشر في هذه البطولة، في ظل العدد المحدود من الجماهير التي سمح لها بالسفر.
ثم ترى موهبة متعددة الجنسيات مثل فولارين بالوغون يطلق الكرة في سقف شباك باراغواي مسجلاً أفضل لحظة كروية لأميركا منذ سنوات.
ومن نواحٍ كثيرة أخرى، يجسد هذا أيضاً الحلم الأميركي. إنها الحفلة العالمية الكبرى، بحيث لا يؤدي كأس العالم نفسه – وما يمنحه من تمثيل – إلا إلى تعميق أجواء الاحتفال.
وقد تكون هذه الديناميكية بصدد تغيير واقع كرة القدم أيضاً. بل قد تكون تسهم في تقليص الفوارق، وتشكل عاملاً مؤثراً في الطابع غير المتوقع الذي يميز هذه النسخة من كأس العالم.
أكاديميات أوروبا وتصدير المواهب الكروية
لطالما تناولت صحيفة “اندبندنت” العامل الأكثر حسماً في كرة القدم الدولية الحديثة، والمتمثل في أن الدول الغنية في أوروبا الغربية استغلت مواردها الهائلة لتطوير منظومات إعداد المواهب على نحو صناعي ومنهجي.
فلم يعد الأمر يتعلق بتطور الموهبة بشكل طبيعي، بل أصبح المنتج النهائي لعملية متكاملة وسلسلة أوسع من الخطوات.
أنشأت فرنسا مركز كليرفونتين، ثم تبعتها إسبانيا باستثمارات وطنية في المنشآت والتدريب مع تبني الأفكار الهولندية، قبل أن تطور ألمانيا هذا النموذج وتدفع به إنجلترا إلى مستويات أبعد.