عناوين الصحف
الاتفاق النووي بين السعودية والولايات المتحدة

ريبون نيوز – اندبندنت عربية
مصطفى الفقي
الاثنين 27 يوليو 2026
في أحلك الظروف وأكثر الأوقات ضبابية وأشدها إظلاماً خرج خبر مثير يعلن توقيع اتفاق نووي بين السعودية والولايات المتحدة، حيث وقعه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في العاصمة الأميركية واشنطن، في وقت تكاثرت السحب وتعقدت فيه الأمور وجرى استئناف القتال بين إيران والولايات المتحدة، وأصبح من هم أكثر تفاؤلاً لا يتمنون إلا استئناف المفاوضات بين طهران وواشنطن، إنقاذاً للشرق الأوسط من نزاع مسلح طويل من المحتمل أن يتحول إلى حرب استنزاف لا تتوقف.
ولعل الظروف التي جرى فيها توقيع هذا الاتفاق المثير بين دولة عربية كبرى والولايات المتحدة الأميركية دليل على شعور مشترك بأن من حق العرب أن يكون لديهم غطاء نووي ليس عسكرياً بالضرورة ولا استعداداً لحرب أيضاً، لكنه تصرف نهائي للردع ووضع الأمور في نصابها وإعادة التوازن بين كل الأطراف، فلم يعُد مقبولاً أن إيران وحدها هي مركز القوة والحديث الدائم عن البرنامج النووي، مستأثرة بذلك على كل جيرانها عرباً وغير عرب.
لقد حان الوقت لكي يستعيد الشرق الأوسط درجة من التوازن الاستراتيجي الذي افتقده خلال الأخيرة الأخيرة وحسناً فعلت الرياض أن جعلت هذا الأمر شاغلاً مسيطراً، وبدأ الأمر باتفاق سعودي مع دولة إسلامية نووية تكاد تكون هي الوحيدة في ذلك النمط وأشير هنا إلى الاتفاق بين السعودية وباكستان منذ أشهر قليلة، إيذاناً بصيحة ظلت صامتة لأعوام ومؤداها أن من حق العرب التطلع إلى برنامج نووي أسوة بغيرها من أمم العالم وشعوب الكوكب، في زمن أصبح فيه الخيار النووي فزاعة صامتة تعطي أصحابها الحق في دخول النادي النووي والوقوف على مسافة واحدة من ذلك الخيار الاستراتيجي الذي يستعيد به العرب قدراً من التوازن يجعلنا نتحدث بثقة عن برنامج عربي نووي يكون في حسبان الأطراف الأخرى، على رغم أنه ليس ناجماً عن نية في العدوان، لكنه استعادة طبيعية لحال التوازن بين القوى المختلفة في الشرق الأوسط، إذ لا يمكن أن يظل العرب كالأيتام على مائدة اللئام، بل لا بد لهم من موقع على الخريطة الاستراتيجية المعاصرة للقوى الإقليمية بل الدولية أيضاً، وتكمن أهمية هذا الحدث المهم في عدد من الملاحظات نسوقها في ما يلي:
أولاً، إن وجود برنامج نووي لدولة ما أو لمجموعة من الدول لم يعُد خياراً ترفياً، لكنه أصبح ضرورة للتمكين الاستراتيجي في مواجهة الأطراف الأخرى، فالخيار النووي يعني في أبسط تفسيراته ميلاد قوة ردع مطلوبة في غابة من الصراعات المعاصرة والنزاعات المسلحة، إذ تعلم العرب جميعاً من الاعتداءات الإيرانية المتكررة على أراضي دول الخليج، مما يشير بوضوح إلى أن منطق القوة وحده هو الذي يسود وهو المسيطر على القرار في العواصم المختلفة، ولعلنا نتذكر الفترة القصيرة التي فصلت بين التفجير النووي الهندي ونظيره في الدولة الجارة باكستان وكيف وقف الجميع على أطراف أصابعهم انتظاراً للتوازن النووي المفقود، وحين جرى التفجير النووي الباكستاني تحدث الجميع عما يسمى “القنبلة النووية الإسلامية” وهي تسمية تحمل من الأخطار أكثر مما تحمل من أسباب الاستقرار لأن بعضهم يصورها على أنها محاولة لإعطاء الصراع الدولي طابعاً دينياً في أعلى مستوياته مما يخالف الحقيقة، فالعرب يسعون إلى تحقيق حال دفاعية تليق بهم وليس إلى رأس حربة عدوانية على جيرانهم.
في كل الظروف، إن التوقيع الأمني على هذا الاتفاق الجديد يشير إلى اعتراف واشنطن بحق الشعوب الإسلامية في حيازة سلاح نووي للردع، حتى لو بدأ ذلك بمثل هذا الاتفاق المبدئي الذي سوف يعتريه جدل طويل لأنه يخرج عن القاعدة التي استقرت في بيت الشعر الشهير، “أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس؟”، تأكيداً لمعنى مباشر وهو تحريم حيازة الاستخدام السلمي لبرنامج نووي قابل للتحول عند اللزوم ليكون غطاءً دفاعياً لدول مختلفة وشعوب تريد المحافظة على السلام من خلال القوة والقدرة على الردع، فواشنطن تؤكد الآن ومعها حلفاؤها من أعضاء النادي النووي على أهمية صياغة إطار جديد لإمكان دخول دول إسلامية أخرى بعد باكستان إلى النادي النووي الذي يتطلع إليه الجميع.
ثانياً، إن هذا الحدث يشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة الأميركية لم تكُن ضد البرنامج النووي في إيران لسبب يتصل بالعقيدة، لكنه يتصل فقط بالنمط السياسي الذي قدمته طهران إلى العالم منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 والذي اتسم بالتطرف والتدخل في شؤون الغير وتلوين السياسات بصبغة دينية الإسلام منها براء في معظم الحالات، فكانت واشنطن تعلن أنها ليست ضد برنامج نووي متقدم في حيازة دولة إسلامية عربية ما دامت القوة التي تمسك بالزناد هي قوة عاقلة، تدين بالولاء للسلم الدولي والاستقرار الاستراتيجي بين القوى والكيانات في المنطقة، خصوصاً أن من أشد أخطار حيازة السلاح النووي وانتشاره وقوع القنبلة النووية، إذا تحققت، في يد جماعة دينية متطرفة تستخدم شعارات إسلامية في تخويف الآخر وإزعاج الجميع، مع أن الإسلام دين بعثه الله للناس كافة وجعله رحمة للعالمين، ولا شك في أن هذا الاتفاق يهبط برداً وسلاماً على صدر الشعوب الإسلامية والعربية ويؤكد أن حرمان إيران من هذا الحق لا يقوم على أسباب دينية، لكنه يستند إلى مخاوف سياسية تمكنت بها إيران من تشكيل الساحات الداعمة لخدمة أهدافها وفقاً لمخطط التدخل الدائم في شؤون الغير والعبث بالأمن والسلم الدوليين.
ثالثاً، إن توقيع هذا الاتفاق هو رسالة طمأنة إلى دول الخليج وشعوبه بعدما تصورت طهران أنها يمكن أن تزعج الولايات المتحدة الأميركية بالعدوان المستمر على دول الخليج المسالمة والتي قدمت الدعم إلى دول الجوار في مختلف الظروف، كما أن هذا الاتفاق تأكيد أن الصحوة الخليجية قد حان وقتها وأصبحت مطلباً قومياً في وقت تتمتع دول عربية أخرى ببرنامج نووي سلمي قاطع الدلالة شديد الوضوح مثلما هو حادث في مصر والمغرب والجزائر، فضلاً عن دول أفريقية أخرى سلكت الطريق نفسه من دون نية في العدوان أو رغبة في الحروب، لكن اتقاءً لها وتأكيداً لقوة الردع دفاعاً عن شعوبها وحرية أراضيها، فالمشكلة في الخيار النووي دائماً هي ضرورة وقوف قوة عاقلة خلفه من دون أن يتحول إلى سلاح تدميري كاسح في يد من لا يدركون قيمته ولا يعرفون خطورته.
رابعاً، إن توقيع الاتفاق السعودي – الأميركي يجب أن يتحول إلى مصدر ثقة لدى كل دول الخليج، بل لدى كل الدول العربية لأن ذلك الاتفاق يعني ببساطة أن باب النادي النووي مفتوح أمام الجميع من دون احتكار لإسرائيل ومن دون تطلع خفي إلى إيران، بل إن من حق الشعوب العربية التطلع إليه مثل غيرها حتى لا يصبح منع بعض تلك الدول من الحديث عن برنامج نووي سلمي حديثاً عن مغامرة غير محسوبة أو تطرق إلى توجه غير مألوف.
ومن المحتمل أن يؤدي التوازن الناجم عن مثل هذا الاتفاق إلى التمكين العربي واستعادة الثقة على طريق السعي نحو السلام الشامل والتسوية الدائمة للصراعات القائمة والتي ليس أولها القضية الفلسطينية واستعادة ذلك الشعب المقهور لأرضه وحقوقه، وليس آخرها أيضاً النزاع حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، وأنبه هنا أنني كنت أول من نشر مقالات وأحاديث عن المخاوف المحتملة لاستخدام الممرات المائية سلاحاً استراتيجياً في الحروب والنزاعات، وها هي الحقائق على الأرض تؤكد صدق ذلك الاستشراف المبكر لنوايا الأطراف، ويلح علينا التساؤل في النهاية، هل من حق دولة كوريا الشمالية أن تدخل النادي النووي وتوصد الأبواب خلفها، فيُمنع على الآخرين الدخول إليه أو حتى التفكير فيه؟!
إن الاتفاق السعودي- الأميركي يجب أن ينال ما يستحقه من الاهتمام والوعي اللازمين لخلق مناخ إقليمي ودولي جديد يسمح في النهاية بالتعايش المشترك ويحرص على تقدم الأمم وسلام الشعوب ورفاهية البشر.